|
من النادر جدا أن تقام مقارنة بين الصين وقطر أقله لأن عدد سكان الدولة الأولى يبلغ 1.3 مليار نسمة فيما لا يتعدى عدد سكان الدولة الثانية 900 ألف شخص إلا أن الخبراء في الشؤون المالية يقولون حاليا بأن قطاع استثمار الأموال في الخليج شبيه بالعملاق الآسيوي كما كان عليه قبل بدء حقبة ازدهاره الاقتصادي.
أضف إلى ما سبق بأن إمكانيات النمو المغرية قد بدأت باستقطاب بعض الأسماء المشهورة إلى القطاع المحلي لاستثمار الأموال.
وفي معرض تشبيه دولة قطر بالصين سنة 1994, يقول ريحان عتيق، المؤسس المشارك لمجموعة أم.أكس.في والمخضرم في قطاع استثمار الأموال بخبرة تصل إلى تسع سنوات إنّ الخليج أشبه اليوم بما كانت عليه الصين سنة 1994 إذ إن الشركات التي تدخل حاليا في هذا القطاع سوف تتمكن من حصاد عدد وافر من الفرص الهامة. "صحيح أنه يصعب اقتحام الأسواق التي لم تبلغ مستوى النمو ولكن فرص تحقيق الأرباح تظل زاخرة فيها".
وتولّد نتيجة لهذا الوضع نوعً من التناقض
إذ إن العائدات المرتفعة للاستثمارات في القطاعات "الموثوقة"
جعلت المستثمرين من الأغنياء غير أنها في الوقت نفسه قللت من
اهتمامهم بالقطاعات الأكثر مجازفة مثل قطاع استثمار الأموال.
ويشير السيد ريحان عتيق من شركة ام.اكس.في الى الأهمية الكبرى
"للمعايير وشبكة العلاقات" التي تفتقر إليها منطقة
الخليج. فالمعايير هي العامل الأول الذي ينظر إليه المتعهدون
والمستثمرون عند تقييمهم لصفقة ما. أما شبكة العلاقات فتشكل
صلة الوصل بينهم في المرحلة الاولى.
وفي ظل غياب المعايير, لا بد أن تخرج التوقعات عن مسارها الطبيعي.
وهنا, يشدد عتيق على المشكلة الاساسية المتمثلة في طلب المستثمرين
في الخليج لنسبة مفرطة من الاسهم مقابل توظيف دولاراتهم. "
أقول بصراحة بأنني لا أعرف كيف يمكن أن ينطلق قطاع توظيف الأموال
واستثمارها في المنطقة في حال لم تحصل أي تغييرات".
وفي هذه الأثناء، من الممكن أن تساهم شبكات العلاقات القوية
والثقة بين الفرقاء المعنيين بالصفقة المعروضة – أي ما يعرف
بالرأسمال الاجتماعي – في لعب دور كبير في تخفيف العقبة لتحقيق
الصفقة المرجوة.
ونلاحظ هنا أيضا تناقضا آخر يتمثل في أن العلاقات الشخصية تضطلع
بدور هام في الخليج خاصة لناحية جمع الأموال المستثمرة في المشاريع
ولكن توطيد العلاقات والصلات بين أصحاب المشاريع والمستثمرين
وخبراء التكنولوجيا لا تزال حتى اليوم محدودة جدا.
دع مخيلتك تحقق أحلامك
يستقطب قطاع استثمار الأموال في قطر عددا" كبيرا"
من المؤسات المتنوعة من القطاعين العام والخاص.
ومن المؤسسات المنجذبة نحو قطر بنك أتش أس بي سي الذي أشار
مدير قسم الاستثمارات فيه السيد كابيل شادا بأنّ المصرف يقدم
خدماته في قطر منذ عام 1954 وقد قام مؤخرا بتأسيس وحدة خاصة
لتوظيف الأموال. وفي فترة متزامنة، عمدت واحة العلوم والتكنولوجيا
في قطر إلى إقامة صندوق الشركات الناشئة الذي يصل إلى ثلاثين
مليون دولاراً وصندوق الشركات التقنية المقدر بمائة مليون دولار.
وفي شهر ديسمبر المنصرم, أقامت شركة أم. اكس.في. المتخصّصة في
استثمار الأموال مقرها الرئيس في مركز قطر للمال لكونها قامت
بتحديد شركات ناشئة ترغب في الاستثمار فيها خلال الأشهر الاثني
عشر التالية.
ولا يتوقف هذا الموضوع عند هذا الحد إذ أشار السيد شادا بأن
عددا من المصارف وشركات التأمين تستثمر أموالها عبر مصرف أتش.
أس. بي. سي. وسرت كذلك شائعات مفادها بأن شركة الاتصالات الوطنية
كيوتل قد تنشئ فرعا لاستثمار الأموال بغية الانفتاح على القطاعات
التجارية الجديدة والمتنوعة.
ولكن في وجود هذا الاهتمام البارز والمبكر
في نمو هذا القطاع , هل ثمة خطر يهدد استدامة النمو على غرار
ما جرى في آسيا سنة 1997؟
التأني في التخطيط
والسرعة في التنفيذ
يمكننا القول بأنّ قطاع استثمار الأموال في الخليج يختلف بشكل
أساسي عما كان عليه في آسيا خلال العقد الماضي. فقد كان النمو
الهائل الذي شهدته "النمور الآسيوية" قائما على استثمارات
أجنبية ولذلك كان من الطبيعي بمجرد تغيّر توجهات المستثمرين
في نهاية التسعينات أن تتوقف هذه الاقتصاديات عن العمل.
أما فيما يختص بوضع الدول الخليجية, فإن القسم
الأعظم من الأموال المتدفقة إلى الصناديق مصدرها المؤسسات المحلية
ولذلك فإن الاستثمارات تكون ذات وتيرة أسرع وكذلك راسخة على
المدى الطويل وفقا لما يراه السيد ميكو سيونانلاتي المدير العام
للشركة القطرية لرؤوس الأموال المتخصصة في استثمار الأموال.
|
|
 |
| "مقارنة قطاع توظيف الأموال في الخليج بما كان عليه في التسعينات في الصين" |
وثمة اختلاف ثان يميز دول الخليج أيضا ذلك
أن استحداث فرص الاستثمار نابع من التنمية الاقتصادية الأساسية
وليس فقط بسبب ارتفاع اسعار الموجودات. فعلى سبيل المثال، تعزز
مؤسسة قطر التعليم الوطني والقدرات البحثية على أمل دعم النمو
الطويل الامد للشركات القائمة على المعرفة.
عمل سيونانلاتي سنوات طويلة في توظيف الاموال
في بلدان عدة، وهو يؤكد انها المرة الاولى التي يرى فيها دولة
تتمتع بمختلف المكونات الضرورية "وجلّ ما نحتاجه اليوم
هو التحرك بسرعة للاستفادة مما تقدمه قطر".
مسار مليء بالعقبات
على الرغم من أن الأساسيات متوفرة في مكانها ولكن لا يمكننا
أن نعتبر الخليج مثيلا لوادي السيليكون ولكن العقبات الناشئة
في هذه المنطقة ذات صلة بالسلوكيات والعادات أكثر منها بقلة
السيولة.
وفي الحديث عن المجازفات والمخاطر, يقول السيد
عماد غندور، المسؤول الرئيس عن الأسهم الخاصة في شركة غولف كابيتال
بأن النفور من المخاطر يشكل أكبر عقبة في هذه المنطقة إذ إنه
يرى أنّ المستثمرين في هذه المنطقة يفضلون القطاعات التقليدية
كالعقارات والبورصة وقد عادت هذه الأفضلية عليهم بفوائد كبيرة
حتى تاريخ اليوم.
المخارج الأمامية والخلفية
يكمن اختلاف من الاختلافات التي تميز مبادئ استثمار الأموال
في الخليج أيضا في طريقة الانفصال أو "المخرج" المعتمد
من المستثمر حين يريد بيع حصته في المشروع. وفي هذا الشأن بالتحديد,
يقول عادل غندور من كابيتال غولف إنه من الضروري أن تحدد خطة
العمل تاريخ وكيفية خروج رأس المال المغامر علماً بأن تطبيق
مثل هذه المسألة عمليا أمر صعب.
ومن الممكن أن تشكل الحدود الجغرافية للخليج عقبة بحد ذاتها.
فإذا ما أرادت شركة ناشئة الاستثمار في بلد واحد من المنطقة
(باستثناء مصر والمملكة العربية السعودية)، سوف تواجه صعوبة
في توسيع إطار الشركة إلى مستويات تشجع المستثمرين، والكلام
هنا للسيد عتيق. ولذلك ومن أجل التعامل مع مثل هذا الوضع، "يتعيّن
على المستثمرين والمتعهدين تأسيس الشركات التي تستهدف السوق
الإقليمية شريطة التخطيط لذلك منذ اللحظة الاولى."
يشير ميكو سيونانلاتي من الشركة القطرية لرؤوس الأموال إلى
أن إعلان حالة الإفلاس هي أفضل المواقف على الإطلاق للخروج من
مشروع. وتأتي في المرتبة الثانية اقتناء شركة كبرى تعمل في القطاع
عينه، لكن غالبا ما يكون المستثمرون "متورطين" في
شركة ناشئة. وأضاف أيضا بأن فرص بيع الشركات الناشئة تشهد تطورا
كبيرا بفضل إنشاء شركات كبرى على غرار الشركة الأوروبية لطيران
الدفاع والفضاء وجنرال إلكتريك وشيل مراكز تكنولوجية لها في
قطر.
القسمة أو الضرب؟
تستثمر دول الخليج العربي التي تنعم بتدفق عائدات النفط وتتطلع
إلى تنويع اقتصادياتها أموالها الحكومية في صناديق رأسمالية
استثمارية. ويشدّد عماد غندور وشركة كابيتال غولف على ضرورة
إجراء مثل هذه الخطوة بطريقة تساعد القطاع الخاص عوضاً عن التسبب
بازدحامه.
كما أنه يوصي بضرورة تقسيم صناديق الاستثمار وتسليم إدارتها
لخمسة إلى عشرة مدراء عوضاً عن الاقتصار على صندوق واحد تتولى
الحكومة إدارته. وتأكيدا على كلامه وتوصيته, يذكر السيد غندور
مثالي ماليزيا وإسرائيل لكونهما كانتا ناجحتين في هذا المجال
إذ لم تكتف الصناديق الحكومية الاستثمارية بتطوير قطاع الشركات
الناشئة بل عززت قطاع استثمار الأموال بمجمله.
تعتمد واحة العلوم والتكنولوجيا في قطر نهجا" متعدد الأوجه
إذ إنها قد سلمت إدارة اثنين من أصل ثلاثة من صناديقها للشركة
القطرية لرؤوس الأموال القائمة على شراكة بين بنك قطر الوطني
وأنسباخير وشركة أكسفورد الرأسمالية البريطانية. وفي هذا الشأن,
يقول السيد ميكو سيونانلاتي المدير العام للشركة القطرية بأن
شركته شبيهة بأي شركة خاصة من حيث البنية والإدارة إلا أن تقسيم
الصناديق وتوزيعها بين شركات متعددة من شأنه ان يقلص حجمها بما
يحول دون تشغيلها بالقدر المطلوب.
وقد نستشف مما سبق وجه شبه آخر بين الخليج والصين تتمثل في
مشاركة قوية للحكومة في البداية، وزيادة ثابتة في تعزيز دور
القطاع الخاص.
|